سلطاتنا المحلية بين "الأرنونا" وكيس النفايات
لطالما كانت العلاقة بين المواطن العربي والمجلس المحلي علاقة متوترة، يسودها عتاب متبادل وصراع في كثير من الأحيان. فالمواطن يشكو من نقص الخدمات وغياب التطوير، والسلطة تشكو من قلة الميزانيات الحكومية وتدني نسبة الجباية. ولكن لكي نفهم هذه "المعادلة الصعبة" بعيدًا عن الانفعالات، علينا أن ننظر إلى الحقائق الاقتصادية التي ترسم واقعنا اليومي.
صراع الحقوق مقابل الواجبات
يبرز هنا ما يمكن تسميته بـ"صراع وجهات النظر"، وهو جوهر المشكلة. فالمواطن، من جهته، يطالب بالخدمات أولًا كشرط أساسي لدفع الضرائب، معتبرًا أن جمع النفايات ونظافة الشارع وإنارته هي ما يشجعه على الالتزام. في المقابل، ترى السلطة المحلية أن دفع الضرائب واجب قانوني وأخلاقي أساسي، ومن دونه لا يمكنها أصلًا تمكين أقسامها من تقديم خدماتها. هذا التباين في الرؤية، الممزوج بانعدام الثقة المتبادلة الناتج عن تراكمات سنوات من الفساد وغياب الشفافية ونقص الميزانيات الحكومية، يحوّل العلاقة إلى صراع يؤدي أحيانًا إلى التوتر، بل وحتى إلى استخدام العنف وسيلةً للمطالبة بالحقوق، بدلًا من الحوار البنّاء.
الأرنونا والإيرادات المحدودة
هل دفع "الأرنونا" عن المساكن كافٍ لتحويل بلداتنا إلى مدن عصرية؟ الأرقام تقول: لا. تعتمد المدن الكبرى في ميزانياتها الضخمة على أرنونا المصالح التجارية والمناطق الصناعية، بينما تتراوح نسبة جباية أرنونا المصالح في مجتمعنا العربي بين 25% و30% من إجمالي الدخل. وتشير المعطيات إلى أن دخل السلطات العربية، وعددها 76 سلطة، مجتمعةً من المصالح التجارية يعادل نحو 20% فقط من دخل بلدية تل أبيب وحدها من البند نفسه. في المقابل، تعتمد مجالسنا العربية على إيرادات الأرنونا عن المساكن، التي تُجبى بنسب منخفضة أصلًا، فضلًا عن التخفيضات التي يستحقها المواطنون بسبب الوضعين الاقتصادي والاجتماعي المتدنيين في المجتمع العربي عمومًا. ولذلك، فإن هذا النقص الحاد يجعل مجلسنا المحلي في حالة "مطاردة" دائمة لتغطية الالتزامات الأساسية، بدلًا من الاستثمار في الرفاهية.
بين سقف الطموح وواقع جمع النفايات
هنا نصل إلى القضية التي تمس كل بيت: البيئة. يطمح المواطن إلى جودة حياة تشمل حدائق عامة وشوارع نظيفة، لكن الواقع الاقتصادي يجعل أقصى ما تطمح إليه السلطة هو جمع النفايات ودفع المعاشات. فالميزانية المتاحة بالكاد تكفي لتشغيل شاحنات النفايات ودفع رسوم الطمر الباهظة (אגרות הטמנה)، التي يُدفع جزء منها للدولة، مما يحوّل دور قسم الصحة من "تحسين جودة البيئة" إلى مجرد "إخفاء المكاره". ولا تتوفر ميزانيات لـ"الرفاهيات" البيئية، لأن المورد المالي يتبخر في الخدمات الروتينية التي لا يمكن الاستغناء عنها يومًا واحدًا. لذلك، فإن أحد أبرز مظاهر العجز المالي في سلطاتنا المحلية هو تراكم النفايات بجانب البيوت بعد التوقف عن جمعها.
نحو شراكة حقيقية
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب شجاعة من الطرفين. فعلى السلطة المحلية أن تتبنى الشفافية المطلقة في تعاملها مع المواطن من جهة، وأن تبحث عن موارد إبداعية بعيدًا عن جيب المواطن من جهة أخرى، مثل إقامة مشاريع للطاقة الشمسية فوق أسطح المباني العامة، أو تأجير الحيز العام للافتات إعلانية تعود عوائدها إلى المجالس. أي إن المطلوب هو الإبداع في تشكيل مصادر الدخل، والعمل بالشراكة مع القطاع الخاص في مشاريع استثمارية وفق نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، إلى جانب ترشيد المصروفات الدائمة وتحصيل موارد إضافية من الخطط الحكومية، مثل الخطتين 550 و922. ونؤكد مجددًا أن الأهم هو العمل الجاد على زيادة الشفافية لتعزيز الثقة بين السلطة والمواطن، ورفع الوعي بمحدودية قدرات المجالس المحلية والخدمات التي تقدمها.
وفي المقابل، يحتاج المواطن إلى إدراك أن الحفاظ على نظافة الحيز العام وتقليل النفايات ليسا مجرد "منّة" منه، بل يحققان توفيرًا ماليًا مباشرًا يتيح للمجالس توجيه تلك الأموال إلى مشاريع تطويرية أخرى. وعندما نبدأ برؤية البلدة بوصفها "بيتنا الكبير"، يمكننا حينها تحويل علاقة "الشد والجذب" إلى علاقة تعاون حقيقي، ليكون كيس النفايات آخر همومنا، وتكون جودة الحياة عنوان بلداتنا.



