الحاكورة لنا ولأبنائنا: ملاذٌ للروح والجسد في زمن الحرب
في ظل هذه الأيام الثقيلة التي نعيشها، حيث يلفّنا القلق وتوتّرنا أخبار الحرب وتثير فينا مشاعر مختلطة، أصبح الخروج إلى ساحة بيتنا الصغيرة، بالنسبة لي كأم، السلوك الأكثر راحة وطمأنينة؛ هناك نتنفس كعائلة بحرية، بعيدًا عن الشاشات الصاخبة والجدران التي باتت تضيق بنا. عندما أحثّ أبنائي على الخروج للعب في الساحة، والنظر حولهم، والوقوف تحت السماء، وممارسة التنفس العميق، فأنا لا أبحث لهم عن مجرد تفريغ طاقة، بل أسعى لإعادة وصل ما انقطع بينهم وبين الحياة في أبهى صورها؛ أعيدهم إلى الأصل، وإلى الطبيعة. في حاكورتنا زرعنا الأرض بأشجار متنوعة ونباتات وزهور زاهية. هناك يتعلم أولادي أنّ لكل شجرة اسمًا وحكاية، وأن لكل ثمرة موعدًا لا يعجّله الصبر. إنّ حثّي لهم على الاعتناء بالنباتات والخضروات المزروعة هو، في جوهره، دعوة إلى الاستمرارية؛ فالأرض هي الشاهد الصامت على بقائنا، وهي التي لا تخون ولا ترحل. وعندما يغرس الطفل يده في التراب، فإنه يلمس حقيقة ثابتة وسط عالم متزعزع، ويغسل عرق تعبه بانتساب حقيقي إلى هذه الأرض. ولعلّ أجمل تجلّيات هذا الارتباط ظهرت مؤخرًا في شهر آذار حول شجرة اللوز التي تتوسط ساحتنا. هذا الموسم كانت الشجرة بطلة الحكاية؛ فرغم كل الخوف المحيط بنا، أزهرت وأثمرت، وكأنها تعاند الموت. ومع نضوج حبات اللوز الأخضر، تحولت إلى نقطة جذب دافئة ومحطة للقاء. في كل زيارة لأقاربنا أو أصدقائنا كان الأطفال، ومعهم نحن الكبار، نقف تحتها لنتحدث عنها وعن ذكرياتنا معها، فيسبقنا الصغار إليها بشغف، يتسلقون أغصانها، وتتشابك أيديهم الصغيرة لقطف الثمار معًا. في تلك اللحظات، وهم يضحكون فوق الأغصان، كانت الشجرة تمنحهم شيئًا من الأمان المسلوب. لم يكن الهدف هو الأكل فحسب، بل كانت لحظات من المشاركة؛ تقاسموا فيها تعب التسلق وحلاوة الثمر، وخلقوا ذكريات جماعية تربطهم ببعضهم وبالأرض. لقد علمتهم شجرة اللوز أنّ الحياة تستمر، وأن الأشجار التي يتسلقونها هي جزء من ملكهم وهويتهم، ومن أرض لا يمكن اقتلاعها من داخلهم. لذلك، أجد أنّ كل ممارسة بسيطة أو عميقة في حاكورة البيت، مثل ريّ الأشجار أو تنظيف العشب أو تقليم الشجر، تحمل دروسًا في المسؤولية، وتحثّ على الامتنان والشكر. عندما يمسك طفلي بخرطوم المياه ويروي الشجر، فهو في الحقيقة يتعلم معنى العطاء؛ يدرك أنّ نمو هذا الكائن الحي يعتمد على اهتمامه. هذا الاتصال الجسدي يقوّي حصانتهم العاطفية؛ فاللعب بالتراب ومراقبة نمو ورقة خضراء هي ممارسات تعيدهم إلى هنا والآن، وتنتزعهم من دوامة القلق والتوتر التي تفرضها الحرب. في هذه الفترة بالذات، أشعر أنّ دورنا كأهل يتجاوز توفير الأمان المادي، ليصل إلى غرس قيم الصمود والاستدامة بالحب والممارسة. اجعلوا من ساحات بيوتكم مختبرات للحب: اخرجوا مع أطفالكم، تلمسوا الأرض، وعلموهم كيف يصغون لصوت الحياة.




