مقالات رأي

من الشاشة إلى الواقع: كيف تصوغ السينما مستقبلنا البيئي؟

منذ نشأتها، لم تكن السينما وسيطًا أحادي الوظيفة، بل فضاءً تتقاطع فيه المتعة مع المعنى، والترفيه مع مساءلة الواقع. فهي تجمع في بنيتها بين الحكاية بوصفها ملاذًا، والصورة بوصفها موقفًا، لتصوغ تجربة تتجاوز حدود المشاهدة نحو التأثير. ومع تحوّلات العالم وتسارع أزماته، ازداد حضور هذا البعد النقدي، وأصبحت السينما أكثر انخراطًا في القضايا التي تمسّ الإنسان ومحيطه. وفي مقدّمة هذه القضايا تبرز الأزمة البيئية، لا بوصفها موضوعًا علميًا فحسب، بل كقضية وجودية تتطلب إعادة نظر في أنماط العيش والاستهلاك. هنا، تنجح السينما، خاصة الوثائقية، في نقل هذه الأزمة من حيّز الأرقام الجافة إلى تجربة إنسانية حيّة، تخاطب الوجدان وتستفزّ التفكير. بهذا المعنى، لا تكتفي السينما بعكس الواقع، بل تسهم في إعادة تشكيله؛ إذ تتحوّل الكاميرا من أداة رصد إلى أداة وعي، ومن وسيط للسرد إلى فاعل محتمل في التغيير، حيث تغدو كل صورة احتمالًا لسؤال، وكل سؤال بدايةً لتحوّل. في العالم العربي، يتقاطع هذا التحوّل مع مبادرات ناشئة يقودها جيل شاب من صُنّاع السينما، لا يكتفون بطرح القضايا البيئية على الشاشة، بل يسعون أيضًا إلى تجسيدها عمليًا داخل مواقع التصوير. فمبادرات مثل «فيلم غرين» في الإمارات تعمل على ترسيخ مفهوم «الإنتاج الأخضر» عبر تقليل استهلاك الورق والطاقة، وإدارة النفايات بطرق أكثر استدامة. وفي السياق ذاته، تفتح منصة «أفلامنا» في لبنان المجال أمام مشاريع سينمائية تعالج قضايا المناخ، مانحةً صُنّاع الأفلام الشباب أدوات السرد والدعم اللازم. ولا يقتصر هذا التوجّه على المبادرات الفردية، بل يمتد إلى الفعاليات الكبرى، حيث بدأت مهرجانات مثل «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» و«مهرجان الجونة السينمائي» في إدماج معايير الاستدامة ضمن تنظيمها، سواء عبر تقليل المواد المطبوعة أو دعم الأفلام ذات البعد البيئي. إلى جانب هذه الأطر المؤسسية، تتجلّى ملامح التغيير في تفاصيل يومية داخل مواقع التصوير: أجهزة لوحية تحلّ محل أوراق السيناريو، زجاجات مياه قابلة لإعادة الاستخدام بدل البلاستيك، وديكورات يُعاد توظيفها بدل التخلّص منها. ورغم بساطة هذه الممارسات، فإنها تعكس تحوّلًا في الوعي، حيث تصبح الاستدامة جزءًا من ثقافة العمل الفني، لا مجرد شعار. هذا الوعي لا يتشكّل فقط خلف الكواليس، بل يتعزّز عبر ما تعرضه الشاشة. فقد لعبت السينما الوثائقية دورًا محوريًا في تسليط الضوء على الصناعات الأكثر تأثيرًا على البيئة، ومن بينها صناعة الأزياء. وفي هذا السياق، يبرز فيلم «التكلفة الحقيقية» كأحد أبرز الأعمال التي نجحت في ربط الاستهلاك اليومي بقضايا بيئية وإنسانية معقّدة. يأخذ الفيلم، الذي أخرجه أندرو مورغان، المشاهد في رحلة عبر سلاسل إنتاج الملابس، من مصانع في آسيا إلى واجهات المتاجر في الغرب، كاشفًا الفجوة بين السعر الزهيد الذي يدفعه المستهلك، والتكلفة الحقيقية التي يتحمّلها العمال والبيئة. وقد استلهم العمل خلفيته من صدمة عالمية تمثّلت في انهيار مبنى «رانا بلازا»، التي عرّت واقعًا قاسيًا داخل صناعة الموضة. من خلال سرد إنساني مؤثر وتحقيق بصري عميق، لا يكتفي الفيلم بعرض المشكلة، بل يدفع المشاهد إلى مساءلة خياراته اليومية: ماذا نرتدي؟ ولماذا نشتري؟ ومن يدفع الثمن فعلًا؟ وقد ساهم هذا الطرح في تحويل الفيلم إلى مرجع أساسي في النقاشات العالمية حول «الموضة المستدامة»، وأداة تعليمية تُعرض في الجامعات والمنصات البيئية. ولا يقف تأثير السينما عند هذا الحد، إذ تواصل أفلام وثائقية أخرى، مثل «قبل الطوفان» و«سي سبيراسي»، توسيع دائرة الوعي عبر تناول قضايا المناخ والموارد الطبيعية بأساليب تجمع بين المعرفة والتأثير العاطفي. كما تسهم أعمال ذات صلة بالعالم العربي، مثل «طعم الإسمنت»، في ربط البعد البيئي بالسياق الإنساني والاجتماعي للمنطقة. ما يميّز هذه التجارب هو قدرتها على تجاوز دور التوثيق، لتصبح جزءًا من عملية التغيير نفسها. فحين تتكامل الرسالة التي يحملها الفيلم مع ممارسات إنتاجه، تتعزّز مصداقيته ويتضاعف أثره. في المحصّلة، تبدو السينما اليوم شريكًا حقيقيًا في مواجهة التحديات البيئية، لا مجرد شاهد عليها. وبين مبادرات عربية ناشئة وأفلام وثائقية مؤثرة، يتشكّل وعي جديد يدرك أن كل صورة على الشاشة قد تترك أثرًا، ليس فقط في ذاكرة المشاهد، بل في مستقبل الكوكب نفسه. وهذا الوعي هو ما يحرّكني اليوم، ليس فقط كباحثة في ثقافة السينما، بل كفرد يسعى إلى تحويل هذه الرؤى النقدية إلى فعل ملموس. فإذا كان فيلم «التكلفة الحقيقية» قد عرّى حقائق صناعة الأزياء عالميًا، فإن المسؤولية تقع على عاتقنا محليًا لابتكار حلول تناسب سياقنا. من هنا، بدأتُ في تطوير مبادرة محلية تهدف إلى ترشيد الاستهلاك في مجتمعنا عبر تعزيز ثقافة «الملابس المستعملة»، كفعل مقاوم للهدر واستعادةٍ لوعينا البيئي. سأخصّص مقالي القادم للحديث باستفاضة عن هذه المبادرة، لنبحث معًا كيف يمكننا أن نحوّل «أسئلة السينما» إلى إجابات واقعية تعيد تشكيل علاقتنا بما نرتدي وبمحيطنا.

سامية عرموش- صحافية وناقدة سينمائيّة،حاصلة على ماجستير بدرجة امتياز في “ثقافة السينما” من جامعة حيفا.
شارك المقال

مقالات ذات صلة