top of page
Search

الفنّ والبيئة : حينَ يتنفّس الجمالُ من قلب الأرض

  • Writer: wassim khatib
    wassim khatib
  • Jan 12
  • 2 min read

في كلّ مرة نغلق فيها أعيننا أمام مشهد طبيعي، كأننا نحميه من التلوّث، لا منّا بل من العالم.

الفنّ هو تلك العين التي لا تغمض، بل تُحوِّل الحزن البيئي إلى دهشة، والوجع إلى لوحة.


ليس الفنّ ترفًا في زمن يختنق فيه الكوكب، بل هو محاولة إنسانية للنجاة — نجاة من النسيان، من الجشع، ومن القطيعة بين الإنسان والأرض. فالفنان، حين يلتقط جذع شجرة مكسور ويحوّله إلى منحوتة، لا يصنع جمالًا فحسب؛ بل يُنقذ ذِكرى الشجرة من الفناء، ويذكّرنا بأنّ الحياة لا تُقاس بما تبقّى، بل بما نستطيع أن نُعيد إليه الحياة.


الفنّ البيئي حول العالم صار صوتًا للطبيعة التي لا تتكلّم. فالفنّان البريطاني آندي غولدسورثي (Andy Goldsworthy) مثلًا، يزرع أعماله في قلب الطبيعة — يصنع دوائر من أوراق الخريف أو جسورًا من الجليد — يعلم أنها ستذوب وتختفي، لكنه بذلك يذكّرنا بدورة الحياة والفناء. والفنّانة مايا لين (Maya Lin)، صاحبة مشروع Ghost Forest في نيويورك، زرعت أشجارًا ميتة في قلب المدينة لتجعل الناس يرون الموتَ الذي يحدث ببطء في الغابات البعيدة.


وفي فلسطين، الفنّ لا ينفصل عن الأرض أبدًا. سليمان منصور، على سبيل المثال، استخدم الطين والزيتون ليخلق أعمالًا تجسّد الإنسان الفلسطيني المتشبّث بأرضه. لوحة “حامل الأرض” ليست مجرد رمز سياسي؛ بل هي نشيد بيئيّ عن العلاقة الجسدية والروحية بين الجسد والتراب. وفي غزة، فنانون يحوّلون بقايا البيوت المهدّمة إلى منحوتات وألعاب للأطفال — كأنّ الفنّ يقول: حتى الركام يمكن أن يزهر.


الفنّ، إذًا، ليس هروبًا من الواقع بل عودة إليه، ولكن بعيون أكثر صفاءً.

عندما نعيد تدوير الأشياء المهملة في عمل فني، أو نحول الجراح إلى ألوان، فإننا نمنح الكوكب فرصة جديدة للتنفّس.


ربما لا يوقف الفنّ ذوبان الجليد أو حرائق الغابات، لكنه يزرع فينا ما هو أعمق من الحلول التقنية — يزرع الإحساس.

وحين يُشفى الإحساس، تُشفى الأرض.


حين ألتقط الكاميرا، أشعر أنني لا أوثّق مشهدًا فقط، بل أُحادث الأرض.

كل ضوء أختاره يشبه وعدًا صغيرًا بالحياة، وكل ظلّ هو تذكير بما نخسره إن توقفنا عن النظر بحب.

الفنّ بالنسبة لي ليس إطارًا على جدار، بل طريقة للمصافحة — مع شجرة، أو حجر، أو وجه يحمل ذاكرة المكان.

ربما لا أستطيع إنقاذ الكوكب وحدي، لكنّني أؤمن أن كلّ صورة، وكلّ عمل فني صادق، هو بذرة وعي صغيرة.

وحين نزرع الوعي، نُعيد للبيئة نبضها، ولنا إنسانيتنا.


منصور سليمان - جبل المحامل اسم اللوحة مش حامل الارض


راوية زيدان

مصورة ، معلمة تصوير ومعالجة عن طريق الصور

فنانه مختصة برسومات أدب الأطفال



 
 
 

Comments


...هل لديك مقالات جاهزة للمشاركة ؟ شاركنا

© Created By 2BNmedia.com

bottom of page