المسيحيّة والبيئة
- قبل 7 أيام
- 4 دقيقة قراءة
إنّ حقيقة أنّ الله هو الخالق والحافظ والمخلّص لكلّ ما وُجِد، تُشكّل الأساس الذي يقوم عليه اللاهوت المسيحيّ برمّته. ومع ذلك، يميل كثيرٌ من المسيحيّين اليوم إلى النظر إلى البيئة—أي خليقة الله—بوصفها مجرّد موردٍ قابلٍ للاستغلال، مُنح للبشر ليستخدموه كما يشاؤون. أمّا الرعاية البيئيّة المسيحيّة، أو ما يُعرف بـ«رعاية الخليقة»، فتقدّم منظورًا مغايرًا؛ إذ تذكّرنا بأنّه لا يمكن للإنسان أن يعلن بصدقٍ محبّته لله أو تبعيّته للمسيح، في حين يساهم، في الوقت نفسه، في إفساد الخليقة التي أعلنها الله «صالحةً» والتي وُجدت أساسًا لتمجيد اسمه.
وكما أنّ الله هو خالق كلّ شيء، فإنّ يسوع يشارك في هذا الدَّور بصفته ابن الله. ينقل إنجيل يوحنّا هذه الحقيقة في مطلع بشارته: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. كان في البدء عند الله. به كان كلّ شيء، وبغيره لم يكن شيءٌ ممّا كان» (يوحنّا ١: ١–٣). ويؤكّد بولس الرسول المعنى نفسه في رسالته إلى أهل كولوسي، فيقدّم يسوع المسيح لا بصفته خالق كلّ شيءٍ وحافظه فحسب، بل أيضًا فادي الخليقة بأسرها: «لأنّه فيه سُرَّ أن يحلَّ كلّ الملء، وبه سُرَّ أن يصالح كلَّ شيءٍ إلى نفسه، سواء ما على الأرض أو ما في السماوات، عاملًا الصلح بدم صليبه» (١: ١٩–٢٠).
تزخر نصوص العهدين القديم والجديد بالإشارات إلى خلق الله، لا بوصفه إعلانًا لمجده فحسب، بل أيضًا تذكيرًا دائمًا بواجب العناية بخليقته. وعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية تقريبًا، شهد الاهتمام المسيحيّ برعاية الخليقة تجدُّدًا ملحوظًا بين المؤمنين. كما بدأ مفهوم «لاهوت الكتابين» يجد طريقه إلى الأدبيّات ووسائل الإعلام وقاعات الدراسة. ويؤكّد هذا المنظور أنّ الله يُعرَف لا من خلال كلمته المكتوبة فقط، بل أيضًا من خلال أعماله الظاهرة في الكون المخلوق. وبما أنّ جذور مشكلتنا ذات طابعٍ دينيٍّ في جوهرها، فإنّ العلاج بدوره يجب أن يحمل بُعدًا دينيًّا، سواء اعترفنا بذلك صراحةً أم لم نفعل. وتمثّل هذه الملاحظة أهمّيّةً خاصّةً حين يتعلّق الأمر بكيفيّة تعاطي المسيحيّين مع القضايا البيئيّة، إذ تكشف عن تحدّياتٍ حقيقيّة، لكنّها في الوقت نفسه تفتح بابًا واسعًا للفرص.
من العبارات التي يكرّرها البابا الراحل فرنسيس قوله: «كلّ شيءٍ مترابط». ورغم أنّ الرسالة العامّة ("حول رعاية بيتنا المشترك") التي عبّر فيها عن هذه الفكرة ليست وثيقةً أكاديميّةً بالمعنى التقنيّ، إلّا أنّها تُعدّ من أدقّ وأفضل الصياغات التي تُبرز تشابك العلاقات بين القضايا البيئيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة التي يواجهها العالم اليوم. ومع ذلك، لا يقتصر فرنسيس على الجانب البيئيّ فحسب، بل يتعمّق أيضًا في قضايا اجتماعيّةٍ وفلسفيّة، مثل القيمة الذاتيّة للأنواع غير البشريّة، والتفاوت الاقتصاديّ العالميّ، والفقر الروحيّ. ويؤكّد أنّ هذه القضايا جميعها مترابطةٌ ترابطًا وثيقًا، بحيث لا نواجه «أزمتين منفصلتين، إحداهما بيئيّة والأخرى اجتماعيّة، بل أزمةً واحدةً معقّدة، اجتماعيّةً وبيئيّةً في آنٍ واحد».
يرى البابا فرنسيس أنّ «البيئة البشريّة والبيئة الطبيعيّة تتدهوران معًا؛ ولا يمكننا مكافحة التدهور البيئيّ بفعاليّةٍ إلّا إذا عالجنا الأسباب المتعلّقة بالتدهور البشريّ والاجتماعيّ». ومن الأمثلة على ذلك ما يشهده عالمنا اليوم من ثقافة الإهدار، التي تعكس انفصالًا جذريًّا عن النظم الطبيعيّة القادرة على توفير الموارد وامتصاص النفايات، بالإضافة إلى رغبةٍ لا تُشبَع في الاستهلاك. كما يشير فرنسيس إلى أنّ الأنظمة الاقتصاديّة الحاليّة تُشجّع الإهدار وتكافئه، ما يؤدّي في نهاية المطاف إلى تفاقم الضرر البيئيّ.
للعقيدة المسيحيّة في الخلق—التي ترى أنّ الكون موجودٌ بفعل قصدٍ من الله—نتيجتان بيئيتان عميقتان:
§ أوّلًا، تُقرّ بأنّ البشر، باعتبارهم مخلوقين إلى جانب باقي الكائنات، هم جزءٌ من العالم الطبيعيّ وينظرون إليه "من الداخل". ويجادل البابا فرنسيس بأنّ هذا يمنحنا قرابةً مع بقيّة الخليقة، إذ إنّنا «مرتبطون في شركةٍ كونيّةٍ رائعة»، والله «حاضرٌ في كلّ كائن». وبما أنّ البشريّة خُلقت على صورة الله، فهي «مدعوّةٌ إلى حماية صنع الله».
§ أمّا النتيجة الثانية للخلق فهي أنّ «كلّ مخلوقٍ يعكس شيئًا من الله»، وبالتالي يمتلك قيمةً جوهريّةً مستقلّةً عن أيّ منفعةٍ مباشرةٍ قد يحصل عليها الإنسان منه. وتؤكّد الكتب المقدّسة أنّ «لكلّ مخلوقٍ قيمته وأهمّيّته». لكنّ الأمر لا يقتصر على المخلوقات الفرديّة فقط؛ فـ«الكون ككلّ، بكلّ علاقاته المتعدّدة، يُظهر غنى الله الذي لا ينضب». ومن هذا المنطلق، تُعدّ العلاقة السليمة مع الخليقة أحد أبعاد التوبة الشخصيّة الشاملة، إذ تتجلّى محبّة الله جزئيًّا في محبّة المؤمن لخليقته.
يجادل البابا فرنسيس بأنّ الأنثروبولوجيا المسيحيّة الحقّة لا تنظر إلى البشر على أنّهم يمتلكون سيطرةً مطلقةً على الطبيعة، بل ينبغي فهم دورهم «بشكلٍ أدقّ بمعنى الإدارة المسؤولة». وتنطلق الموارد الأخلاقيّة لهذا الموقف لدى المسيحيّين من شخص يسوع المسيح ومن أمل القصّة المسيحيّة. فعندما يتأمّل المؤمنون يسوع كصورة طبيعة الله، يتذكّرون اهتمام الله العميق بالعالم المادّيّ منذ أن «دخل الكون المخلوق [أي في صورة يسوع]، مُلقيًا بثقله فيه، حتّى الصليب». وهذا التذكير يبرز أنّ الله «لا يتخلّى عنّا، ولا يتركنا وحدنا، لأنّه اتّحد نهائيًّا بأرضنا». كما يُسلّط الضوء على اهتمام الله بالطبيعة في تعاليم يسوع، كما في رعايته للطيور في السماء وزنابق الحقل، لتوضيح سياق محبّة الله للبشريّة (متّى ٦: ٢٦-٣٠).
لعلّ من أقوى إسهامات الرسالة المسيحيّة في معالجة الأزمة البيئيّة أنّها تقدّم فهمًا بديلًا لمعنى الحياة الكاملة. فهي، بحسب فرنسيس، «تقترح الروحانيّة المسيحيّة فهمًا بديلًا لجودة الحياة… فهمًا قادرًا على الاستمتاع العميق بعيدًا عن هوس الاستهلاك». ويعلّم يسوع في هذا السياق أنّ «الحياة ليست في كثرة الممتلكات» (لوقا ١٢: ١٥). وبدلًا من الانغماس في تراكم الأشياء، «تقترح الروحانيّة المسيحيّة نموًّا يتّسم بالاعتدال والقدرة على السعادة بالقليل. إنّها عودةٌ إلى البساطة التي تمكّننا من التوقّف وتقدير الأشياء الصغيرة، وأن نكون شاكرين للفرص التي تتيحها لنا الحياة، وأن نكون منفصلين روحيًّا عمّا نملك، وألّا نستسلم للحزن على ما ينقصنا». ومن خلال رسالة محبّة الله وقبوله، يُمكن للإنسان أن يعيش بحرّيّةٍ وسخاء، متّخذًا التضحية بالنفس جزءًا من حياته. وعلاوةً على ذلك، يحمل الأمل المسيحيّ المستقبليّ وعدًا أنّ «كلّ الخير الموجود هنا سوف يُؤخذ إلى الوليمة السماويّة»، ما يعني أنّ أيّ جهدٍ يُبذل في سبيل الاستدامة البيئيّة لن يذهب سدًى عند عودة المسيح.
بقلم: الأب د. أغابيوس أبو سعدى
الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى رئيس الإكليريكيّة المخلّصيّة الكبرى، جعيتا - لبنان





تعليقات