top of page
Search

الحيّز العام المحلي والمسؤولية المجتمعية

  • Writer: wassim khatib
    wassim khatib
  • Jan 12
  • 3 min read

المحامي علي حيدر

إنَّ المتأمل في واقع المجتمع العربي الفلسطيني في البلاد، وفي الظواهر والمعيقات التي تعرقل تطوّره وتقدّمه، يلحظ بسرعةٍ كبيرة اتساع رقعة هذه الظواهر وتفاقمها. ونذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، تفشّي العنف والجريمة والفساد، وتراجع الشعور بالأمان الشخصي والجماعي، وانهيار القيم، وتفشّي اللامبالاة، إلى جانب مظاهر سلبية أخرى لا تقلّ خطورة.

ولا شكّ أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الحكومة والمؤسسات الرسمية التي أخفقت، على مدار السنين، في القيام بواجبها تجاه هذا المجتمع، نتيجةً لسياساتها التمييزية والعنصرية المتواصلة، والتي ازدادت وضوحًا في السنوات الأخيرة مع تفشّي خطاب الكراهية والعنصرية على مستوياتٍ متعددة.

وبما أن هذه المجلة تُعنى بقضايا البيئة وجودة الحياة، أودّ تسليط الضوء على موضوع الحيّز العام البلدي والمحلي، بوصفه مكوّنًا أساسيًا في جودة حياة الإنسان والمجتمع، ومؤشّرًا على مستوى الوعي والمسؤولية الجماعية.

ففي حين يرتبط الحيّز الخاص بالملكية الفردية، حيث يتمتع الإنسان بحريةٍ شبه تامة في التصرّف به، سواء كان بيتًا أو متجرًا...إلخ، فإن الحيّز العام هو ملكٌ للجماعة بأسرها، ويعكس درجة الانتماء والاحترام المتبادل بين أفرادها.

وفي سياق سلطاتنا المحلية، يُعدّ الحيّز العام ملكًا لجميع المواطنين والسكان في البلدة دون تمييزٍ أو استثناء.

لكنّ المؤسف أنّنا نرى في كثيرٍ من بلداتنا مظاهرَ تُسيء إلى هذا الفضاء المشترك، بل تتمّ عملية الاعتداء عليه بشكلٍ متواصل: الأوساخ والقاذورات التي تملأ الشوارع، عرض البضائع على الأرصفة بما يعيق حركة المارة، إطلاق النار واستعمال السلاح، الأصوات المرتفعة والموسيقى الصاخبة، هدير السيارات، إشعال الحرائق، وورشات العمل التي تزاول نشاطها تحت البيوت وفي الأحياء حتى ساعات الليل المتأخرة، وصراخ الشباب في الشوارع والمقاهي، وتراجع الإحساس بالأمان العام.

هذه المظاهر مجتمعةً تُضعف جودة الحياة وتُكرّس ثقافة اللامسؤولية والاستهتار بالمصلحة العامة.

إن احترام الحيّز العام يبدأ بتعزيز الانتماء والهوية الجماعية، ويمرّ عبر تحمّل المسؤولية الفردية والمجتمعية في رعايته وصيانته.

لقد تعمّق العديد من الفلاسفة والمفكرين العرب والأجانب في مفهوم الحيّز العام، مثل يورغن هابرماس، ونانسي فريزر، وحَنّة أرندت، وجون ديوي، وعبد الله العروي، والطيب بوعزة، ومحمد عابد الجابري، وغيرهم من القدامى والمعاصرين.

فالحيّز العام ليس مقصورًا على الأمور المادية؛ ففي كتابه العقل السياسي العربي، يقول المفكر محمد عابد الجابري:

"الحيّز العام هو المجال الذي تتحقّق فيه ممارسة العقل العمومي (العقل السياسي والاجتماعي المشترك) في مقابل العقل الخاص أو الفردي، وهو ما غاب في التجربة العربية بسبب هيمنة السلطة وشخصنة المجال العام".

أما الفيلسوف يورغن هابرماس فيعرّف الحيّز العام بأنه:

"فضاءٌ من التواصل العقلاني، يتفاعل فيه المواطنون الأحرار والمتساوون لتداول القضايا العامة بشكلٍ نقدي، بعيدًا عن إكراهات السلطة السياسية أو المصالح الاقتصادية، بهدف تكوين رأيٍ عامٍّ يؤثّر في القرار السياسي".

ولضمان حَيّزٍ عامٍّ محلّيٍّ آمنٍ وراقٍ وجميل، لا بدّ من توافر الشروط التالية:

1. الإقرار بأن الحيّز العام ملكٌ لجميع السكان دون تفرقة والاعتراف بوجود وحقوق جميع السكان والجماعات في البلدة.

2. ترسيخ مبدأ المساواة بين أبناء البلدة الواحدة.

3. اعتماد الشراكة المجتمعية في تصميم هذا الحيّز وصيانته وحمايته.

4. توزيع الموارد المادية والمعنوية بعدالةٍ وإنصافٍ بين جميع السكان.

بهذا المعنى، لا يكون الحيّز العام مجرّد فضاءٍ ماديٍّ نتحرّك فيه، بل مرآةً لثقافتنا، وصورةً صادقةً عن مدى نضجنا وانتمائنا، وقدرتنا على تحويل العيش المشترك إلى قيمةٍ يوميةٍ تُمارَس، لا شعارٍ يُرفَع. وذلك من خلال تفعيل العقل والحوار المجتمعي وتحديد المصالح العامة وتعزيزها.

إن الحيّز العام ليس مجرد شارعٍ أو ساحةٍ أو مرفقٍ بلديٍّ، بل هو مساحةٌ تعكس صورة المجتمع عن نفسه، ومدى قدرته على احترام ذاته قبل احترام الآخرين، وهو تعبيرٌ عن إرادةٍ جماعية، كما يقول المفكر عبد الله العروي.

وحين نعتني بهذا الفضاء المشترك، فإننا لا نحافظ على النظافة أو النظام فحسب، بل نحمي أيضًا كرامتنا الجمعية، ونصون فكرة العيش المشترك التي تقوم عليها إنسانيتنا.

فالبلدان لا تُقاس بجمال عمرانها فحسب، بل بمدى وعي ساكنيها، وبما يبذله كل فردٍ في سبيل أن تبقى شوارعها وميادينها نظيفةً من الأوساخ... ومن اللامبالاة أيضًا، كي تتحقق الحرية والعدل وتُرسى أسس الاستقرار والطمأنينة والإبداع.

فلنجعل من احترام الحيّز العام ثقافةً يوميةً وسلوكًا راسخًا، لأننا حين نحترم المكان، نكون في الحقيقة نحترم أنفسنا ومستقبلنا المشترك، ووجودنا في أرضنا ووطننا، ونفتح آفاقًا مستقبليةً واثقة.


المحامي علي حيدر، ناشط ومختص في الحقوق والسياسة.


الحيز العام المحلي وضرورة التغيير.

الحيز العام المحلي والمسؤولية الجماعية

الحيز العام المحلي بين الموجود والمنشود

الحيز العام المحلي: المعيقات وتجاوزها.





 
 
 

Comments


...هل لديك مقالات جاهزة للمشاركة ؟ شاركنا

© Created By 2BNmedia.com

bottom of page